دراسة حديثة تكشف عن نظام خفي خلف فوضى المخدرات النفسية
أظهرت دراسة علمية حديثة أن تأثير المواد المخدرة النفسية على الدماغ، والذي وُصف طويلاً بالفوضى العشوائية، يحمل في طياته أنماطاً منظمة يمكن تتبعها عبر تحليل بيانات التصوير العصبي.

مفهوم جديد لتأثيرات الدماغ النفسية
سادت لفترة طويلة في الأوساط العلمية اعتقادات بأن المواد المخدرة النفسية تسبب حالة من الفوضى العارمة داخل الدماغ البشري، حيث تفقد شبكات الاتصال المستقرة المسؤولة عن الرؤية والانتباه والشعور بالذات ترابطها المعتاد وتبدأ في إرسال إشارات متداخلة لبعضها البعض. وفي هذا السياق، أشار الباحث في علم الأعصاب ديفون ستوليكر من جامعة موناش، والمذكور في تقرير نشرته منصة Ars Technica، إلى أن هذه الشبكات التي تشبه الطرق السريعة تتفكك وتتخذ اتجاهات متعددة تحت تأثير تلك المواد.
غير أن فريقاً بحثياً بقيادة ستوليكر قرر اختبار ما إذا كانت هذه الاتجاهات عشوائية تماماً أم أنها تخضع لنسق معين، وذلك عبر دراسة نُشرت مؤخراً في دورية Nature وتناولت تأثير مادة السيلوسيبين المخدرة الموجودة في بعض الفطريات على مشاركين لم يسبق لهم تناول مواد مخدرة من قبل.
تصميم تجريبي يضمن الصلاحية البيئية
يرى الباحثون أن تفسير الفوضى وحده لا يكفي لفهم سبب شعور الفرد بتجارب عميقة، أو إدراكه للرؤى والوضوح الذهني الذي قد يترجم لاحقاً إلى تغييرات نفسية إيجابية. ولتجاوز القصور في الدراسات التقليدية، صمم الفريق تجربة أُطلق عليها اسم PsiConnect شملت خضوع متطوعين لتسلسل من الأنشطة في ظروف مختلفة وهم تحت تأثير المادة أو في حالة الصحو.
تجنب الباحثون فرض مهام معرفية معقدة أثناء الفحص لضمان الصلاحية البيئية للتجربة، إذ تشير الأدلة إلى أن تكليف الخاضعين للتجارب بمهام محددة قد يقطع حالة التجربة النفسية الخالصة ويعيدهم إلى ما يُعرف بعملية التأرض، مما يفسد قياس الظاهرة المراد دراستها أصلاً.
تغيرات عميقة في الاتصال العصبي
أظهرت تحليلات البيانات الناشئة عن عمليات الفحص العصبي أن المناطق الحسية تفقد هيمنتها لصالح المناطق الترابطية عندما تكون عيون المشاركين مغلقة، مما يمنح قدرات الدماغ على بناء الواقع والخيال والمخيلات الذاتية سيطرة أكبر. كما لوحظ ضعف في الروابط الداخلية لكل شبكة دماغية مقابل تقوية الروابط بين الشبكات المختلفة.
بالإضافة إلى ذلك، لاحظ العلماء تقارباً كبيراً بين نشاط الدماغ في حالات إغلاق العينين وفتحهما تحت تأثير مادة السيلوسيبين، ما يعكس تراجع الحدود الفاصلة بين العالم الداخلي والخارجي للإنسان مقارنة بالحالات الطبيعية المعتادة.
الذكاء الاصطناعي يكشف النظام الكامن
على الرغم من أن النتائج الأولية بدت متوافقة مع فكرة الفوضى الدماغية، إلا أن الفريق تمكن من اكتشاف النظام الحقيقي عند معالجة البيانات بطريقة غير تقليدية تعتمد على خوارزميات التعلم الآلي عبر أداة تُعرف باسم CEBRA، والتي استخلصت البنية الأساسية للنشاط العصبي لحظة بلحظة.
بينما تبدو أنشطة الدماغ غير متفرقة بوضوح في الظروف الطبيعية، أظهرت البيانات تحت تأثير السيلوسيبين تنظيماً زمنياً دقيقاً يتناسب مع السياقات المختلفة للتجربة مثل الاستراحة والتأمل والموسيقى، وهي النتيجة التي تتوافق مع تفاصيل إضافية طرحها الباحثون في نقاشات تفاعلية عبر منصة Ars Technica.
دور شبكة الوضع الافتراضي والنظام البصري
سعى الباحثون لتحديد الأجزاء المسؤولة عن هذا التنظيم من خلال استبدال أنماط النشاط العصبي المتعلقة بالمادة المخدرة بتلك الخاصة بحالة الصحو، ليتبين أن شبكة الوضع الافتراضي والنظام البصري يلعبان دوراً رئيسياً في هذا التأثير بنسبة تجاوزت عشرين بالمائة لكل منهما.
ترتبط شبكة الوضع الافتراضي ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الذات والتفكير المتجول، بينما يمثل النظام البصري الجانب الموجه نحو الخارج، ويؤدي اندماج وتفاعل هاتين المنظومتين تحت تأثير المادة إلى تشكيل تلك التجارب المعقدة والعميقة التي يعيشها المشاركون.
المصادر
- Ars TechnicaOne with the world? A new look at brains transformed by psychedelics.
تابع التسلسل الزمني





